
***
الطالب: أما بعد، فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل، فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة.الشيخ: المؤلف أبان في هذا الكلام أن تأليفه للكتاب له سبب، وهو سؤال بعض الإخوان أن يكتب له في هذا الموضوع، والتأليف قد يكون ابتدائيًّا من المؤلف، يرى حاجة الناس إلى موضوع معين، فيكتب فيه، وقد يكون له سبب؛ سؤال بعض الناس له أن يكتب في هذا الموضوع المعين، فالأول يكون مسؤولًا بلسان الحال، والثاني يكون مسؤولًا بلسان المقال.فإن العالم إذا رأى الناس محتاجين إلى شيء وألَّف، فإن حال الناس تستدعي أن يبين لهم هذا الأمر الذي وقعوا فيه، حتى يعرفوا حكمه، ويتعبَّدوا لله تعالى فيه على بصيرة، وقد يسأل عن هذا الأمر المعين.يقول المؤلف: (قواعد كلية): القواعد جمع قاعدة، وهي أساس الشيء، ومنها قواعد البيت أي أساساته، أي: الأساسات التي تُعِين على فهم القرآن، وحينئذٍ نعرف أن هذه القواعد قواعد تفسير لتفسير القرآن؛ لأن فهم القرآن أحد الأمور الثلاثة التي قُصِدَت بإنزال القرآن.فإن القرآن الكريم نزل لأمور ثلاثة: التعبد بتلاوته، وفهم معانيه، والعمل به، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا. فالقرآن نزل لهذه الأمور الثلاثة.أما لفظه: فلا يكاد يشكل على أحد، أو يعسر على أحد؛ لأنه يقرؤه العامي والعالِم والمتعلم، وأما فهمه: فهو الذي يحتاج إلى تعلُّم وتفكُّر وتدبُّر، وأما العمل به فهو أشد على النفوس وأعظم؛ لأن النفس تحتاج إلى مجاهدة في إلزامها بما تقتضيه الحال؛ من تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي، وتأمل قوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، حتى يتبين لك أنه لا بد من فهم القرآن، ولا بد من العمل به.وقول المؤلف رحمه الله: (على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه) كل هذا من باب عطف التفسير، أو عطف المتردِاف، كقول الشاعر:| ......................... | أَلْفَــــــى قَـــــــوْلَهَـــــــا كَــــذِبًا وَمَـــيْــــنَـــــا |
***
الطالب: والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل؛ فإن الكتب المصنفة.الشيخ: (التنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل) الدليل عقلي ولَّا نقلي؟طالب: نقلي.الشيخ: وعقلي أيضًا؛ لأنه يجب أن نعتبر الدليل العقلي في القرآن ما لم يخالف..طالب: المنصوص.الشيخ: المنقول، وإلا فالعقل لا شك أن له مدخلًا كبيرًا في فهم القرآن، ولهذا يأمرنا عز وجل بالتفكُّر، بل إن التدبر في قوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهيدخل فيها المعنى العقلي الذي يدركه الإنسان بعقله.***
الطالب: فإن الكتب المصنَّفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح، والحق المبين، والعلم إما نقل مصدَّق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى ذلك.الشيخ: كلام منطقي هذا (العلم) الحقيقي هو (إما نقل مصدَّق عن معصوم) وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. (وإما قول عليه دليل معلوم)، (قول) يعني لبعض العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لكن عليه دليل معلوم، منين؟طلبة: من الكتاب والسنة.الشيخ: نعم، من المعقول ومن المنقول، ولهذا نحن نثبت الدليل؛ دليل القياس، وهو هنا الدليل العقلي، إذن اضبط، هذه ينبغي أن نجعلها قاعدة بحيث يقال: ما هو العلم الحقيقي؟ فيقال: كذا وكذا، هذا شرطه اللاحق عليه (...)، وبعدين ينقلها في دفتر لأجل أن تنقل مثل هذه القواعد والضوابط العظيمة، وهي أن العلم إما نقل مصدَّق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم.***
الطالب: وما سوى ذلك فإما مزيَّف مردود، وإما موقوف لا يُعْلَم أنه بهرج ولا منقود، وحاجة الأمة..الشيخ: المؤلف -رحمه الله- استعمل السجع في هذا الكلام، والسجع إذا لم يكن متكلَّفًا فإنه لا شك يزين الكلام ويحببه إلى النفس، ولهذا يقع أحيانًا في كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لكن بدون تكلف.والإمام ابن تيمية يقول: (ما سوى ذلك) المشار إليه؟ النقل المصدَّق عن معصوم، والقول اللي عليه دليل..؟طالب: معلوم.الشيخ: (فإما مزيَّف مردود)، وهذا يكون في مقابل النقل المصدَّق. (وإما موقوف لا يُعْلَم أنه بهرج ولا منقود) يعني: نتوقف فيه، فالأقسام حينئذٍ ثلاثة: ما عُلِمَت صحته، وهو الأول، وما عُلِم بطلانه، وهو الثاني، وما يجب التوقف فيه، وهو الثالث، اللي لا نعلم هل هو من النقل المصدَّق عن معصوم، وهل هو من القول الذي عليه دليل معلوم، أو نعلم أنه مزيَّف ومردود، ما نعلم لا هذا ولا هذا، فالأول مقبول، والثاني مردود، والثالث متوقَّف فيه.طالب: شيخ، البهرج ما المقصود؟الشيخ: البهرج: المغشوش، يعنى إذا النقود البهرج اللي (...) الفضة أو ذهب وهي مغشوشة، منقودة يعني نقد سالم من الغش.طالب: يقول: الوصف بهرج، وأصله في وصف رديء الفضة، والمنقود الجيد من الدراهم.***
الطالب: وحاجة الأمة ماسَّة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثيرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.الشيخ: (الترديد). الطالب: نسخة.الشيخ: (الترديد) أوضح، هذا يكون من ناس محتاجين إلى فهم كتاب الله، وهذا ظاهر، الناس في حاجتهم إلى فهم كتاب الله ظاهر جدًّا، فإنهم في حاجة، بل في ضرورة إلى فهم كتاب الله؛ لأنه الكتاب الذي أُمِرُوا باتباعه، والإنسان لو يؤمر باتباع كتاب مؤلِّف من المؤلفين احتاج إلى معرفته وشرحه، فكيف بكتاب الله عز وجل! ثم وصف المؤلف بهذه الأوصاف: (الذي هو حبل الله المتين) حبل الله؛ لأن الله تعالى هو الذي وضعه، والحبل في الأصل: ما يُتَوَصَّل به إلى غيره، كالسبب تقريبًا؛ ولهذا فسر قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج: ١٥]، أي: بحبل، ووصف بأنه حبل الله؛ لأنه مُوصِل إلى الله عز وجل.وقوله: (والذكر الحكيم) من أين أخذ المؤلف هذا الوصف؟ طالب: من القرآن، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤].الشيخ: لا غير.طالب: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ [الحجر: ٨٧].الشيخ: فيه: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨]، لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [الحجر: ٨٨]، وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي، لا غير.الطالب: في آخر (الحجر).الشيخ: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨]، في سورة آل عمران فهو ذِكْر؛ لأنه مُذَكِّر، وهو ذِكْر؛ لأن فيه الذكرى لمن تمسك به ورفع ذِكْرَه، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِك [الزخرف: ٤٤] يعني رِفْعةً وشرفًا. (والحكيم) معناه: المحكَم أو المتضمن للحكمة البالغة في أحكامه.وقوله: (والصراط المستقيم)، واضح (الصراط) معناه الطريق. (والمستقيم) معناه: المعتدل الذي ليس فيه ميل.(والذي لا تزيغ به الأهواء)، ما معناه؟ الزيغ معناه: الميل، ومنه: إذا زاغت الشمس، أي: إذا مالت، يعني أن أهواء الناس مهما عظمت لا يمكن أن تزيغ به، بل إنه باقٍ ثابت مهما سلط الناس عليه من الأهواء فإنها لا تزيغ به؛ لأنه هدى. (ولا تلتبس به الألسن) معنى تلتبس، أي: تختلط؛ لأنه بلسان عربي مبين لا يمكن أن تختلط به الألسن، ولهذا حتى الإنسان الأعجمي لو قرأه يقرؤه بلسان عربي، ولهذا كان من غير الممكن أن يُتَرْجَم القرآن ترجمة حرفية أبدًا. وقوله: (ولا يخلق من كثرة الترديد) معنى يخلق، أي: يَبْلَى، بل هو على جِدَّتِه، مهما كرَّره الإنسان فكأنه لم يقرأه من قبل، لكن كَرِّر لك أبلغ قصيدة من قصائد العرب -من المعلقات السبع أو غيرها- كَرِّر أبلغ خطبة خطب بها الخطباء، لو كررتها كما تُكَرِّر القرآن لملَلْتَ وسئمت، لكن القرآن نقرؤه في الصلاة الواحدة أربع مرات، ومع ذلك ما تمل، وهذه من آيات الله عز وجل في هذا القرآن الكريم. قال: (ولا تنقضي عجائبه) نعم، لا تنقضي عجائبه لمن أعطاه الله تعالى فهمًا في الكتاب، فإنه يتذوق فيه المعاني العظيمة الكثيرة، أما المعرِض عنه فإنه قد لا يرى فيه عجبًا واحدًا، لكننا نحن نصف القرآن من حيث هو قرآن، بقطع النظر عن القارئ.***
الطالب: ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِيَ صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.الشيخ: الله أكبر، كل هذه الأوصاف حق يعرفها المتأمل، فإن العلماء لا يشبعون منه، وكلما كان الإنسان بالله أعلم وبشرعه أعلم كان لكتابه أحب، فتجده دائمًا يفكر ويتدبر هذا القرآن، سواء كان في مجلس العلم، أو وهو يمشي، أو في أي مكان، فالإنسان ما يشبع منه أبدًا.وكذلك أيضًا: (من قال به صدق)؛ لأنه قال قولًا هو أصدق الأقوال، فإذا قال قائل: أنا أقول أن الكافر في نار جهنم، أو أقول: إن الكافر في نار جهنم، صدق؛ لأنه قال بماء جاء به القرآن.(ومن حكم به عدل) كذا؟ نعم، من حكم به عدل، سواءٌ كان الحكم فصلًا بين الناس، أو كان الحكم حكمًا مطلقًا، فمن قال: إن الميتة حرام، فقد عدل، ومن قال: إنه يجب العدل بين الزوجات مثلًا فقد عدل؛ لأنه حكم بالقرآن، ومن قال: مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، فقد عدل. كذلك يقول: (ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم): دعا إلى القرآن.طالب: بعلم ولَّا بغير علم؟الشيخ: لا ما هي بعلم. طالب: (ومن عمل به أُجِرَ) قبل. الشيخ: في الأول (ومن عمل به أُجِر) يعني: أُثِيبَ على عمله، (ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم)؛ لأنه هدى الله عز وجل، الإنسان إذا دعا إلى القرآن فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم، أما إذا دعا إلى الهوى، وحرَّف القرآن من أجل هواه، فإنه يضل، ولهذا قال: (من ابتغى الهدى في غيره أضله الله).(ومن تركه من جبار قصمه الله)، معني (قصمه) في الأصل يعني: قطع ظهره، ولكن لا يرد علينا أننا نجد من الجبابرة الآن من ترك القرآن؛ لأننا نقول: إن القصم قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، وهذا إن فاته في الدنيا لم يفته في الآخرة.***
الطالب: قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: ١٢٣-١٢٦].الشيخ: قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْالجملة هذه شرطية؛ لأن أصلها: (إن) و(ما) زائدة للتوكيد، وفعل الشرط: يَأْتِيَنَّكُمْ، وجواب الشرط جملة: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ، وهذه الجملة أيضًا جملة شرطية، فالجملة الثانية الشرطية -من فعل الشرط وجوابه- جواب للشرط الأول.قوله تعالى: فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، أي: لا يضل في علمه، ولا يشقي في عمله، وقيل: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وهما متلازمان، لكن الغالب أن الضلال في مقابلة العلم والهدى، وأن الشقاء في مقابلة السعادة الذي هو العمل.وقوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: ١٢٤]، قيل: إن المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر، وأنه يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.وقيل: إن المراد بالمعيشة الضنك معيشته في الدنيا، وأنه وإن كان في سرور ظاهر، فإن قلبه في ضيق وضنك، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء [الأنعام: ١٢٥]، وكما قال تعالى:مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]، فإنه يدل على أن من ليس كذلك فحياته غير طيبة. وقوله تعالى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، حسًّا ولَّا معنًى؟ طلبة: حسًّا ومعنًى.الشيخ: حسًّا ومعنًى، ولهذا يقول: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا [طه: ١٢٥، ١٢٦]، يعني: تركتها ولم تعمل بها، وَكَذَلِكَ الْيَوْم تُنْسَىيعني: تُتْرَك. الشاهد أن هذا فيه دليل على أن التمسك بهذا القرآن سبب للسعادة في الدنيا والآخرة، لا يضل ولا يشقى، وأن الإعراض عنه سبب للشقاء في الدنيا والآخرة.***
الطالب: وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥-١٦]، وقال تعالى: الر.الشيخ: علم من هذا أن القرآن مُوحًى، وأنه سبب الهداية يهدي به الله، وأن المهتدي به من اتبع رضوان الله، كما قال تعالى: في (...) هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، وقال تعالى: يَايُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]، كذلك هنا يقول: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ [المائدة: ١٦]، ما إعراب قوله: سُبُلَ السَّلامِ؟طلبة: مفعول ثان.الشيخ: مفعول ثان لأيش؟ لـ(يهدي)؛ لأن (يهدي) تتعلق بمفعولين؛ الأول: (من اتبع)، والثاني: (سبل السلام).وهنا قال: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ، مع أن سبيل الله واحد، كما قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]، فكيف الجمع بينهم؟ فيقال: إن سبيل الحق واحد، لكن له فروع وأجناس: صلاة، زكاة، صوم، حج، جهاد، بر، صلة، وما أشبه ذلك، هذه سبل، لكنها تجتمع كلها في سبيل واحد، وأيضًا ما يمكن تُطلَق (سبل) ويُرَاد بها الإسلام، وإنما تضاف سُبُلَ السَّلامِ، فإذا كانت كلها مؤدية إلى السلام فهي الإسلام.وقوله عز وجل: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهالحسية ولَّا المعنوية؟ طالب: كلها، المعنوية.طالب آخر: المعنوية.الشيخ: المعنوية؛ لأن القرآن هدايته معنوية، فيخرجهم من الظلمات؛ ظلمات الجهل، وظلمات القصد، وظلمات الجهل ألَّا يكون عند الإنسان علم، وظلمات القصد أن يكون عنده علم لكن لا يريد الحق ولا ينويه، إذن النور نور العلم ونور العمل.وقوله: بِإِذْنِه، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِقد يقول قائل: كيف قال: يَهْدِي بِهِبِإِذْنِهِمع أن الله تعالى ما يهدي إلا بعد أن يريد؟ فيقال: إن قوله: بِإِذْنِهمتعلق بقوله: مَنِ اتَّبَعَ، يعني من اتبع رضوانه بإذنه؛ لأن الإنسان لا يستقل بعمله، ولا يفعل إلا بإذن الله. وقوله وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، هذا من باب عطف الصفة؛ لأن قوله: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِهو معنى قوله: وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، إلا أن تفسر الهداية الأولى بهداية التوفيق، والثانية بهداية الدلالة، ولهذا عُدِّيَت الثانية بـ(إلى)، وعُدِّيَت الأولى بنفسها، ويكون المعنى: أن من اهتدى بالإسلام زاده الله تعالى علمًا، كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى [محمد: ١٧].***
الطالب: وقال تعالى: الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [ابراهيم: ١-٢]. الشيخ: هذا كالأول تقريبًا، لكن فيه فائدة، وهو صحة إضافة الشيء إلى سببه المعلوم؛ لقوله: لِتُخْرِجَيعني: أنت، مع أن المخرِج حقيقة الله، ولهذا قيَّده بقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، حتى لا يُظَنَّ أن السبب مستقل، فإضافة الشيء إلى سبب معلوم أمر جائز، ولا أحد ينكره، فقد جاءت به السنة، وجاء به القرآن، إذا كان السبب معلومًا؛ إما بالشرع، وإما بالحس والواقع، ولكنَّ هذا السبب يجب إذا اعتقدت أنه يحصل به الشي يجب أن تعلم أن هذا السبب ليس مؤثِّرًا بنفسه، بل بإذن الله الذي جعله سببًا، ولهذا قال هنا: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ. وقوله: الْحَمِيدِفعيل، هل هو بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، أو بمعناهما؟ بمعناهما، فهو محمود سبحانه وتعالى على أفعاله وصفاته، وهو حامد لعباده الذين يستحقون الحمد والثناء. وقوله: اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأرْضِ، (الله) هنا كيف تعربها؟طالب: صفة.طالب آخر: بدل.الشيخ: بدل من (العزيز).***
الطالب: وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٥٢-٥٣].الشيخ: قال: كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، رُوحًاهو القرآن، وسماه الله تعالى روحًا؛ لأن به الحياة الحقيقية ولَّا المعنوية؟ المعنوية، وإن شئت فقل: الحقيقية أيضًا؛ لأن من اهتدى به فإن له الحياة الكاملة في الدنيا وفي الآخرة. وقوله رُوحًا مِنْ أَمْرِنَايعني: مما نأمر به ونوحِي به، وبهذا استدللنا على أن القرآن غير مخلوق، من قوله: مِنْ أَمْرِنَا، وجه ذلك أن الله قال في آية أخرى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر، فجعل الأمر قسيمًا للخلق، والقرآن من الأمر ولَّا من الخلق؟ من الأمر، فتبين بهذا أن القرآن غير مخلوق. وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُأين مفعول (تدري)؟ لأن (تدري) تنصب مفعولين علقت بماذا؟ بـ(ما) الاستفهامية؛ لأن (ما) استفهام مبتدأ، و(الكتاب) خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سد مسد مفعولي (تدري)؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحى إليه. وقوله: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُيعني: صيَّرنا هذا الروح الذي أوحينا إليك نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا، من هم هؤلاء الذين يهدون (...)، كلمة مَنْ نَشَاءُعامة، ولا ندري من الذي يشاء الله أن يهديه بالقرآن، لكن إذا رجعنا إلى الآية التي قبلها صار الذي يهديه به الله مَن؟ مَن اتبع رضوانه من عباده.وقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، هنا قال: نَهْدِي، (...) قال: وَإِنَّكَ لَتَهْدِيلكن بين الهدايتين فرق، نَهْدِي بِهِهداية توفيق وهداية دلالة، ولهذا عُدِّيَت بنفسها، نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ، وأما لَتَهْدِي إِلَىفهي هداية دلالة، فالرسول يهدي إلى، ولا يهدي مَن، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت [القصص: ٥٦]، لكن تَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فهو عليه الصلاة السلام يدل الناس، لكن ليس بيده هداية التوفيق.يقول: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض.هنا الصراط أضيف إلى الله عز وجل، وقد أضيف في سورة الفاتحة إلى غير الله، فقال: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ولا تعارض بين الإضافتين؛ فإن إضافته إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه لعباده، وأنه موصِل إليه، وإضافته إلى الناس صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْباعتبار أنهم أهله وسالكوه، فالإضافة مختلفة، فلهذا صح أن يضاف إلى هذا تارة، وإلى هذا تارة.وقوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُالأمور هنا أي: الشؤون، كل الأمور الدنيوية والأخروية، الشرعية والكونية، كلها تصير إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا لا مرجع للخلق إلا إلى ربهم سبحانه وتعالى، في جميع أحوالهم وشؤونهم الدينية والدنيوية، كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشوري: ١٠]، وكذلك الأمور الكونية: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّه [المؤمنون: ٨٨-٨٩].وفي قوله: أَلا إِلَى اللَّهِتصدير الجملة بـ (ألا) للتنبيه الدال على الأهمية، وتقديم المتعلق يفيد الحصر، يعني: ألا إلى الله لا إلى غيره. طالب: شيخ، إلى الآن أنا ما فهمت كيف يعني (ما) استفهامية؛ لأن كيف أن الله يستفهم النبي، لماذا يعني؟الشيخ: يعني يقول: ما تدري أي شيء أكثر إيمانًا، كما لو قلت لك: أنا أعلمتك بهذا، وما كنت تدري ما هذا. طالب: إنه في الجملة الثانية ينفي درايته عن الله؟الشيخ: الجملة الثانية يقول يعني (تدري) إذا جاء بعدها جملة استفهامية تُعَلِّقُها عن العمل، ولذلك لا بد تكون استفهامًا إذا صُدِّر ما قبلها بـ(ما)، فتقول: ما درى زيد ما تَلَا، يعني: أي شيء تَلَا، أما النفي فهو مُسْتَفَاد من الجملة الأولى مَا كُنْتَ تَدْرِي.طالب: ولَّا ما تصح بأي حال عندكم نافية؟الشيخ: أبدًا ما تصح؛ لأنه ما هو ينفي الكتاب، ينفي درايته للكتاب، وهذا مستفاد من قوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي، الآن احذف (تدري) و(ما كنت) وقل: ما الكتاب والإيمان.طالب: استفهام.***
الطالب: وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد، والله الهادي إلى سبيل الرشاد. فصل في أن النبي صلي الله عليه وسلم بيَّن.الشيخ: يقال: المقدِّمة والمقدَّمة، هذه هي (...) مقدَّمة ولَّا مقدِّمة؟الطلبة: مقدِّمة.الشيخ: يجوز الوجهان؛ فالمقدَّمة باعتبار أن الكاتب قدَّمها بين يدي الكتاب، مقدِّمة باعتبار أنها تقدمة للكتاب، كأنها تقدِّم الكتاب لك.***
***
الطالب: وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يُقرِئُوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا ، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَلَّ في أعيننا ، وأقام ابن عمر.الشيخ: أي صار جليلًا مُعَظَّمًا؛ لأنهم لا يقرؤونه إلا إذا عرفوا معناه، ومعنى ذلك أن الإنسان يعرف البقرة لفظًا ومعنى، وآل عمران لفظًا ومعنى، فعنده علم كبير.***
الطالب: وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين -قيل: ثماني سنين- ذكره مالك ، وذلك أن الله تعالى قال: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن [محمد: ٢٤]، وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْل [المؤمنون: ٦٨]، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]، وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك، وأيضًا فالعادة تمنع.الشيخ: هذا في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه الله: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِبركة القرآن في ماذا؟ في تلاوته، فهمه والعمل به، وما يحصل فيه من التأثير على القلب لزيادة الإيمان، ومعرفة الله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه، وكذلك ما حصل فيه من التأثير على الأمم، حيث فتح بهذا القرآن مشارق الأرض ومغاربها، كل هذا من بركاته، وكذلك ما حصل للمتمسكين به من الرفعة والعزة والظهور على جميع الأمم، وكذلك ما يحصل للمتمسك به من صحة القصد، وسلامة المنهج، والسعادة في الدنيا والآخرة، فالمهم أن بركات هذا القرآن لا تحصى. وقوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، هذا فيه ثناء عظيم على من تذكر بالقرآن واتعظ به، وأنه هو صاحب اللب، وهو العقل، وأن من لم (...) لم يتذكر بالقرآن.***
الطالب: وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا.الشيخ: قوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنهذا فيه حث على تدبر القرآن؛ لأن الله وبَّخ هؤلاء الذين لا يتدبرونه، أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْل، كذلك، والمراد بالقول هنا القرآن، واقرأ: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فأتى بالقرآن، وأتى بالسنة: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [المؤمنون: ٦٩].وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]، (لعل) هذه للتعليل، تَعْقِلُونَيعني: تفهمون فهمًا كاملًا؛ لأنه من المعلوم أنه لو نزل على العرب بلغة غير العربية ما عقلوه ولا فهموه، هل يأتي العقل بمعني الفهم؟ نعم، قال الله تعالى: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥].***
الطالب: ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم، كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع.الشيخ: هذا مثل صحيح، الآن لو ندرس زاد المستقنع، بس نقرأ لفظه ونمشي نستفيد منه ولَّا لا؟ ما نستفيد، وكذلك لو قرأنَا ما هو أبلغ من هذا في كتاب في الطب أو في الكيمياء، أو ما أشبه ذلك، بس نقرأ لفظه ونمشي، نستفيد؟ أبدًا، جرت العادة المؤكدة أنه لا يمكن أن نقرأ هذا الكتاب إلا ونستشرحه، نطلب من يشرحه لنا، وإلا صارت قراءتنا له عبثًا. لا يقال: إن القرآن يختلف عن ذلك بكون الإنسان يُثَاب على تلاوته، يقال: إن القرآن له جهتان: جهة تعبُّد، وجهة عمل وتنفيذ، فالأولى قد تحصل أن مثلًا نتعبد لله عز وجل بقراءة القرآن، لكن الثانية التي نزل من أجلها لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِمفقودة في حق مَن لم يعرف معنى القرآن ولم يتعظ به.***
الطالب: ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًّا، وهو إن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر، ومن التابعين.الشيخ: وجه كون ذلك في الصحابة أقل النزاع في التفسير؛ لسببين:السبب الأول: أن القرآن نزل بلغتهم التي لم تتغير، فكانوا أفهم الناس به، واضح ولَّا لا؟ ثم تغيرت الألسن بعدهم. السبب الثاني: قلة الأهواء فيهم ما تجد الرجل ينتصر لهواه ورأيه، حتى إن الخليفة يرجع إلى الحق الذي ذَكَّرَه به امرأة من النساء، وما يقول: أنا الخليفة كيف ترد عليّ، أنا أعلم منها، أنا لي السلطة، أنا أعرف.فلهذين السببين كان الخلاف بين الصحابة -رضي الله عنهم- في تفسير كلام الله أقل، السببان هما أن القرآن نزل بلغتهم قبل التغير، فكانوا أفهم لمعانيه من غيرهم، السبب الثاني: قلة الهوى، والقصد السليم فيهم، حيث إن كل واحد منهم ما مقصده إلا الحق أينما وجده أخذه. ثم جاء التابعون من بعدهم فحصل نقص، لا في السبب الأول ولا في السبب الثاني، فإن التابعين كثرت الفتوح في زمنهم، واختلط العربي بالعجمي، وتغيرت الألسن، وقد مر علينا أن أول تأليف للنحو كان في عهد من؟ على بن أبي طالب رضي الله عنه.تغير الناس من ذلك الوقت، وأيضًا كثرت الأهواء والفتن، وانتصار الإنسان لرأيه، حتى أدى ذلك إلى التطاحن والتقاتل بين المسلمين، وعلى هذا فيكون الخلاف بينهم في تفسير كلام الله أكثر من الخلاف بين من؟ بين الصحابة. ثم كلما بعد العهد عن عصر النبوة، صار البلاء أشد، والتباس الحق بالباطل أعظم، كما تجدون، ثم هات إلى زماننا الآن، تجد كل عمود في مسجد تحته عالم يرى نفسه أنه ابن تيمية، وكل خيمة في منى فيها عالم يرى نفسه أنه أحمد بن حنبل أو الشافعي، وأنك تخالفه، كثرت الأهواء حتى إنك لتجد في المسألة التي ليس فيها فيما سبق إلا قول واحد أو قولان، تجد فيها عدة أقوال؛ ليش؟ لأن العلم قليل، والهوى كثير، فصار تركب من نقص العلم وكثرة الهوى الضياع، والخلاف والشقاق، وعدم الائتلاف.***
الطالب: ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، أُوقِفُه عند كل آية منه وأسأله عنها ؛ ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري، وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره، والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال.الشيخ: وهذا أمر لا بد منه، يعني كون التابعين يزيدون على الصحابة في الاستدلال والاستنباط أمر لا بد منه، ضروري؛ لماذا؟ لأنه حدثت أمور لم تكن معهودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وهكذا كلما طرأت أمور جديدة لم ينص على عينها في الكتاب والسنة. فلا بد من أن يكون هناك استنباط واستدلال لعلماء العصر حتى يطبقوها على ما في الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة لم يأتِيَا بكل مسألة تحدث بعينها إلى يوم القيامة، واضح؟ إذ لو أتى بذلك لكان المصحف كُبر هذا مئة مرة، وأيضًا لأتى للناس بما لا يعرفونه، يتحدث مثلًا عن الشيكات وعن البنوك، وعن الأشياء هذه، وعن التأمينات، يتحدث في عهد الصحابة وهم لا يعرفون ذلك، لا. لكن كلما حدثت أمور، وُجِدت أمور، صار لعلماء المسلمين من النظر والاستدلال والاستنباط ما لم يكن لغيرهم، حتى يطبقوها على ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.***
فصل في اختلاف السلف في التفسير وأنه اختلاف تنوع
الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان.الشيخ: إذن أثبت المؤلف أن السلف قد يكون بينهم خلاف في تفسير القرآن، لكن خلافهم في تفسير القرآن أقل من خلافهم في الأحكام؛ لأن تفسير القرآن هو تبيين ألفاظه؛ معناها، والمراد بها، وهذا شيء يقل فيه الخلاف، لكن الأحكام مبنيَّة على الاجتهاد والنظر والقياس، فصار الاختلاف فيها أكثر من الاختلاف في التفسير، وذلك لاختلاف الناس في العلم والفهم.وقد سبق لنا أن هناك فرقًا بين التفسير بالمعنى والتفسير باللفظ، أن تفسير اللفظ شيء، وتفسير المعنى الذي يراد بالآية شيء آخر، يعني أن اللفظ يفسَّر بمعناه بحسب الكلمة، ويفسَّر بالمراد به بحسب السياق والقرائن، أظن ما ناقشتكم بهذا، ولكن أنتم فاهمون هذا، وهل تذكرون له مثالًا؟ الطالب: قول الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا [الأنعام: ١٥٨] ففسَّرها البعض بأنها آية من آيات الله سبحانه وتعالى، تظهر وتبان.الشيخ: لا ما فسَّرها البعض، لو فسرناها بلفظها..الطالب: لو فسَّرناها بلفظها تكون آية من آيات الله تأتي و..الشيخ: أنه (...).***
الطالب: وذلك صنفان؛ أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير..الشيخ: الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد: أن اختلاف التضاد لا يمكن الجمع فيه بين القولين؛ لأن الضدين لا يجتمعان، واختلاف التنوع أنه يمكن الجمع فيه بين القولين المختلفين؛ لأن كل واحد منهما ذكر نوعًا، والنوع داخل في الجنس، وإذا اتفقا في الجنس فلا اختلاف.ففهمتم الفرق بين اختلاف التضاد واختلاف التنوع؛ فاختلاف التضاد معناه أنه لا يمكن الجمع بين القولين، لا بجنس ولا بنوع، ولا بفرد من باب أولى، واختلاف التنوع معناه أنه يجمع بين القولين، ويش به؟ في الجنس، ويختلفان في النوع، يكون الجنس اتفق عليه القائلان، ولكن النوع يختلف، وحينئذٍ هل يكون هذا اختلاف؟ لا؛ لأن ذكر كل واحد منهما نوعًا كأنه على سبيل التمثيل. وسيذكر المؤلف أمثلة لذلك. لكننا لا بد أن نعرف الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد؛ اختلاف التضاد معناه أنه لا يمكن الجمع بين القولين؛ لتضادهمان واختلاف التنوع معناه أنه يمكن يجمع بين القولين؛ لاتفاقهما في الجنس، كذا ولَّا لا؟***
الطالب: أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير واضحة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًّا لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم.الشيخ: اختلاف التنوع جعله المؤلف صنفين؛ الأول: أن يعبر كل واحد منهم، والمراد هنا بالضمير (منهم) يعود على الصحابة، بل على السلف إن شئت أعم، (...) الصحابة والتابعين، يعبر بعبارة غير عبارة صاحبه، لكن تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، يعني معناه أنهما اتفقا على المراد، لكن عبر كل واحد منهما عنه بتعبير غير التعبير الأول، وإلا فهما متفقان، كما لو قال قائلٌ في تعريف السيف، قال: السيف هو المهند، وقال الثاني: السيف هو الصارم، وقال الثالث: السيف ما تقطع به الرقاب، وما أشبه ذلك، فهنا هل هذا خلاف؟ في الحقيقة ليس بخلاف.وقال إنسان: الغضنفر الأسد، وقال الثاني: الغضنفر القسورة، وقال الثالث: الغضنفر الليث، وما أشبه هذا، يكون هذا خلافًا؟ لا، ليس هذا خلافًا، ولا تنوعًا أيضًا، لكن كل لفظة تدل على معنى لا تدل عليه اللفظة الأخرى، والمسمى واحد. انتبه لعبارته: (أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى).ثم قال المؤلف: (إنها بمنزلة الأسماء المتكافئة -هذا الكلام عندي- التي بين المترادفة والمتباينة)، عندكم (المتكافئة) هكذا؟ فيها إشكال، إلا إذا كان لها معنى آخر؛ لأن اللي بين المترادفة وبين المتباينة، المترادفة ما هي؟ الدالة على معنى واحد، والمتباينة الدالة على معنيين، فهذه الأسماء باعتبار دلالتها على المسمى مترادفة، وباعتبار دلالتها على معنى يختص بكل لفظ منها تكون متباينة.***
الطالب: كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهنَّد، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد. الشيخ: أسماء الله كما تعرفون كثيرة جدًّا، لكن مسماها واحد، فهي مترادفة من حيث دلالتها على الذات، متباينة من حيث اختصاص كل اسم منها بالمعنى الخاص به، وكذلك أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم متعددة، فهي باعتبار دلالتها على الذات؟طلبة: (...).الشيخ: وباعتبار دلالة كل لفظ منها على معنى آخر متباينة، وكذلك القرآن يسمى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، وغير ذلك، فهذه الألفاظ باعتبار دلالتها على القرآن؟طلبة: (...).الشيخ: وباعتبار أن كل واحد منها له معنى خاص متباينة.***
الطالب: فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًّا لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الاسراء: ١١٠]، وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة. ومن أنكر دلالة أسمائه على.. الشيخ: إذن هذه الأسماء الثلاثة باعتبار دلالتها على الذات مترادفة، وباعتبار دلالة الأول على العلم، والثاني على القدرة، والثالث على الرحمة، فهي متباينة.***
الطالب: ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال: هو حي ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين، فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسمًا هو علَم محض، كالمُضْمَرات، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات، فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر.الشيخ: أنت قلت: (كان معْ دعواه)، ولا (معَ)؟الطالب: قلت: (معْ).الشيخ: ابن مالك يقول: (معَ) (معْ) فيها قليل.***
الطالب: موافقًا لغلاة الباطنية في ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك.الشيخ: لكن المؤلف رحمه الله لتشبعه بهذا العلم صار لا بد أن يذكره.هنا في أسماء الله سبحانه وتعالى انقسم الناس فيها إلى أقسام؛ منهم من جعلها أعلامًا محضة لا تدل على المعنى إطلاقًا، ومنهم من جعلها أعلامًا وأوصافًا، ومنهم من يقولون: لا نقول: إنه حي، ولا نقول: إنه ليس بحي، ينكر هذا وهذا، فالباطنية لا يقولون: إنه حي ولا ليس بحي، يعني يقولون: لا نقول: إنه حي، ولا نقول: إنه ليس بحي، إذن ما هو؟ هم يجيبون على هذا، يقولون: لأن الحياة والموت لا يصح نفيهما وإثباتهما إلا لمن هو قابل لذلك، والله تعالى ليس بقابل للحياة ولا للموت، ولهذا لا يوصف الجدار بأنه حي ولا ميت، ويش نجيب على هذا؟ نقول لهم: إن دعواكم إن الحياة والموت لا يوصف بها إلا من كان قابلًا لها مجرد دعوى أو عرف اصطنعتموه، فالله سبحانه وتعالى وصف الأصنام بأنهم أموات، ونفى عنهم الحياة، فقال: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢٠، ٢١]، وهم يعبدون شجرًا وحجرًا، وما أشبه ذلك، عرفتم؟ فانتقض قولهم بنص القرآن.ثم نقول لهم: هب أننا تنازلنا معكم، لكن أنتم تقولون: إننا لا نقول: إنه موجود ولا غير موجود، فنفيتم عنه الوجود والعدم، وهذا مستحيل باتفاق العقلاء؛ لأن المقابلة بين الوجود والعدم مقابلة بين نقيضين، يجب إذا ارتفع أحدهما أن يثبت الآخر، وأنتم تقولون: لا يجوز أن نقول: إن الله موجود، ولا يجوز أن نقول: إن الله ليس بموجود، شوف كيف، لماذا؟ قال: لو قلنا: إن الله حي، شبَّهْنَاه بالأحياء، ولو قلنا: إنه ميت، شبَّهْنَاه بالأموات، نقول: وعلى زعمكم شبَّهْتُموه بماذا؟ طالب: (...).الشيخ: لا يا أخي، بالجمادات. ما دام تقولون: إنه غير قابل للحياة والموت كالحجر، يبقى شبهمتوه بالجماد.فإذا انتقلنا إلى المرحلة الثانية وهي قولهم: لا نقول: موجود، ولا غير موجود، قلنا: الآن شبَّهتموه بماذا؟ طلبة: بالجماد.الشيخ: إذا قالوا: لا نقول: موجود، ولا غير موجود، يعني إنك إذا قلت: إنه موجود، فقد ألحدت، وإن قلت: معدوم، فقد ألحدت إلحادًا، أيش نقول؟ لا موجود ولا معدوم، وهذا ممكن ولَّا لا؟ غير ممكن، يقول: الآن شبهتموه بالمستحيلات والممتنعات التي لا يمكن وجودها، وهذا -سبحان الله- مر علينا في التوحيد، أنا أذكر أن مر علينا، إذن هذا مذهب الباطنية في الله عز وجل، يقول: ما يمكن نثبت لله اسمًا ولا معنى، بل ننفي عنه النقيضين.والآخرون -المعتزلة وأهل الظاهر اللي يغالون في إثبات الظاهر- يقولون: إننا نثبت الاسم، لكن ما نثبت له معنى، ونقول: هذه الأسماء مجرد أعلام فقط، سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، ورحيم بلا رحمة، وهكذا، مجرد علم، كما أنك تقول لهذا الرجل: محمد، وهو مُذَمَّم، ما فيه خصلة حميدة، وتقول لهذا الرجل: عبد الله، وهو من أكفر عباد الله، هو عبد لله وهو ينكر وجود الله.إذن ما معنى قولنا: عبد الله مجرد علَم يعين مسمَّاه فقط، هم يقولون: أسماء الله هكذا أعلام محضة، ما لها معنى، ما تحمل معنى إطلاقًا. وهذا الكلام الذي جاء به المؤلف جاء به استطرادًا ولا ما له دخل في التفسير؛ لأنه قال: (وليس هذا موضع بسط ذلك)، اللهم إلا أن يقال: قد يدخل في التفسير من حيث إن في القرآن أسماء كثيرة لله عز وجل.***
الطالب: وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم، وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم.الشيخ: إن الاسم يدل على الصفة التي تَضَمَّنَها، وعلى صفة أخرى تَضَمَّنَها اسم آخر بطريق اللزوم، مثاله: (الخالق) دل على الذات وعلى صفة الخلق، ودل على العلم الذي تضمنه اسم العليم، وعلى القدرة التي تضمنها اسم القدير، كيف دل على العليم والقدير، هو بس خالق؛ لأنه لا يمكن يخلق إلا بعلم وقدرة، ولهذا قال الله عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]، وهذا واضح؛ لو أن أحدًا صنع جهازًا من أجهزة المسجلات، يمكن يصنعه وهو ما يدري كيف يصنعه؟ طلبة: لا.الشيخ: يمكن يصنعه وهو أَشَلّ؟طلبة: لا.الشيخ: ليش ما يمكن؟الطلبة: ليس قدرة.***
الطالب: وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مثل: محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب، وكذلك أسماء القرآن مثل: القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب، وأمثال ذلك. فإن كان مقصود السائل تعيين المسمى عبَّرنا عنه بأي اسم كان إذا عَرف مسمى هذا الاسم، وقد يكون الاسم علَمًا، وقد يكون صفة، كمن يسأل عن قوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه: ١٢٤]. ما ذِكْرُه؟ فيقال له: هو القرآن مثلًا، أو ما أنزله من الكتب، فإن الذِّكْر مصدر، والمصدر تارة يُضاف إلى الفاعل، وتارة إلى المفعول، فإذا قيل: ذِكْر الله بالمعنى الثاني، كان ما يُذْكَر به مثل قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وإذا قيل بالمعنى الأول، كان ما يذكره هو، وهو كلامه، وهذا هو المراد في قوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه: ١٢٤].لأنه قال قبل ذلك: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه: ١٢٣]، وهُدَاهُ هو ما أنزله من الذكر، وقال بعد ذلك: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا [طه: ١٢٥، ١٢٦]. والمقصود أن يعرف أن الذِّكْر هو كلامه المُنَزَّل، أو هو ذِكْر العبد له، فسواء قيل: ذِكْرِي: كتابي، أو كلامي، أو هداي، أو نحو ذلك، فإن المسمى واحد، وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم. الشيخ: الآن مثلًا المؤلف رحمه الله قال: (إذا كان مقصود السائل) -يعني الذي يسأل عن تفسير آية من القرآن- إذا كان (تعيين المسمى عبَّرنا عنه بأي اسم كان إذا عرف مسمى هذا الاسم)، لو قال لك: ما معنى قوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِيما المراد بذكر؟ هل هو مضاف إلى الفاعل أو مضاف إلى المفعول؟ يعني: هل المعنى من أعرض عن ذكره إياي، أو المعنى: من أعرض عن ذكري الذي أنزلته إليكم؟يحتمل، يجوز أن المعنى: من أعرض عن ذكري، أي عن ذكره إياي، كما قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، أي: لتذكرني بها، فالمعنى لِذِكْرِيأي: لذكره إياي، أو أن المراد ذكري أي: ما أنزلته عليه من الذكر، وهو القرآن، أو بعبارة أعم -وهو أحسن-: ما أنزله الله من الكتب. فالمعنى: من أعرض عن الكتب التي أنزلتها ليذكر بها، وهذا المعنى إلى اللفظ أو إلى السياق أقرب؛ لقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه: ١٢٣، ١٢٤]، والمراد بذكري هنا هداه الذي أنزله؛ لأنه قال: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِيولكنه عبَّر في الإعراض عن ذكره؛ لأن فيما أنزله من الهَدي تذكيرًا للإنسان وإنذارًا له وتخويفًا.فهنا إذا سأل عن الذكر فقيل له: الذكر قول: سبحان الله، والحمد له، والله أكبر، صار تفسيرًا صحيحًا، وإذا سأل عن ذكري فقلنا له: ذكره ما أنزله من الكتب على عباده، صار معنى صحيحًا، ولَّا لا؟ لأن اللفظ صالح لهما جميعًا. وهل هذا اختلاف تنوُّع ولَّا تضاد؟ تنوع؛ لأن المعنى الثاني لا يضاد المعنى الأول، فكل ما أنزله الله عز وجل فهو مستلزِم لذكره، وهو تذكير لعباده.***
الطالب: وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به، فلا بد من قَدْر زائد على تعيين المسمى، مثل أن يسأل عن: القدوس، السلام، المؤمن، وقد علم أنه الله، لكن مراده.الشيخ: إذا قال: من هو القدوس؟ قلنا: الله، من السلام؟ الله، لكن إذا قال: ما القدوس؟ ما السلام؟ فهنا يختلف الجواب؛ لأن سؤاله بـ(ما) يدل على أنه أراد المعنى، يعني: ما معنى القدوس؟ وما معنى السلام؟ أما لو قال: من القدوس؟ ما يمكن تفسر القدوس له، بل تعين المراد به المسمى بهذا الاسم، وهو الله سبحانه وتعالى.***
الطالب: وقد علم أنه الله، لكن مراده ما معنى كونه قدوسًا سلامًا مؤمنًا، ونحو ذلك إذا عرف هذا، فالسلف كثيرًا ما يعبِّرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد هو الحاشر، والماحي، والعاقب، والقدوس هو الغفور الرحيم، أي: إن المسمى واحد، لا أن هذه الصفة هي هذه، ومعلوم أن هذا ليس اختلافًا.الشيخ: وهذا أيضًا جواب ثالث، إذا قال: من القدوس؟ من السلام؟ من المؤمن؟ فقلت: عالم الغيب والشهادة، أو الذي وسعت رحمته كل شيء، أو هو الغفور الرحيم، هذا جواب ثالث غير السابقين، لكنه في المعنى مثل من عرفه بالذات؛ لأنني عندما أقول: هو الغفور، معناه ما فسَّر لي معنى القدوس، ففهم مني أني أريد تعيين المسمى اللي هو الذات، لكنه عبَّر بمعنى آخر جديد قد لا يطرأ على باله، فأتى باسم يدل على صفة ليست في نفس الاسم المسؤول عنه.شوف هذه ثلاثة أنواع الآن، يعني معناه قد يكون التفسير للكلمة تفسيرًا للمراد بها، بقطع النظر عن صفته، وقد يكون التفسير للكلمة من حيث معناها الذي تضمنته، وقد يكون التفسير للكلمة بمعنى آخر يوصف به من يراد بها، مثل: الغفور الرحيم، السميع العليم، إلى آخره.الطالب: لكن المعنى الثالث ما فيه لبس وإبهام؟الشيخ: لا، إذا كان السائل يعلم، وقد يجيب بهذا مثلًا، يقول: من هو القدوس؟ ومن هو السلام؟ أقول: هو شديد العقاب لمن عصاه؛ لأني أعرف أن هذا الرجل يقيم على معصية الله، فأريد أن أُذَكِّره.أو مثلًا يكون السائل لي إنسانًا مشفقًا على نفسه خائفًا، فأقول في معناها: هو من كان على حسن ظن عبده به، لماذا؟ لأُذَكِّره بحسن الظن بالله، ولَّا لا شك أن لو يجي واحد يقول: من هو القدوس؟ أقول: الغفور الرحيم، بغير غرض أن هذا بعيد.***
الطالب: ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس، مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو القرآن أي اتباعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: «هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ» ، وقال بعضهم: هو الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سِمعان الذي رواه الترمذي وغيره: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ، قَالَ: فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللهِ، وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» .فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ (صراط) يُشْعِر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.الصنف الثاني:الشيخ: إذن فهمنا أنه إذا فسر السلف الكلمة بمعنى، وفسرها آخرون منهم بمعنى آخر، باعتبار أن هذه الصفة تشمل هذا وهذا، فهو من باب اختلاف التنوع: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، ما المراد بالصراط؟ طالب: الطريق. الشيخ: لا، ما المراد به، ما هو ما معناه، معنى الصراط الطريق الواسع، لكن ما المراد به. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، ما المراد بالصراط المستقيم؟ الإسلام، هذا قول، وقول ثان: إنه القرآن، والمؤلف جاء لكل من هذين القولين بدليل من السنة، لكن هل يتنافيان؟ أبدًا؛ لأن الإسلام هو ما في القرآن، وحينئذ فلا تضاد بينهما، سواء فُسِّرَ بأنه القرآن، أو فُسِّرَ بأنه الإسلام، واضح؟ إذن بماذا فُسِّرَ الصراط؟ طالب: فُسِّرَ بأنه الإسلام.الشيخ: وبالقرآن، وهذا الخلاف اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، بدليل أن كل واحد منهما أيش؟ لا ينافي الآخر.***
الطالب: الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فأُرِيَ رغيفًا، وقيل له: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده، مثال ذلك.. الشيخ: صح، قال: ما هو الخبز؟ أعجمي، فيقال: الخبز هو قرص يُصْنَع من الْبُرِّ بعد طحنه وبَلِّه بالماء وعجنه، ما هو بعارف، ولَّا لا؟ لكن إذا قلت: معك خبزة، فقلت: الخبز هذا، هل يفهم أنه ما به خبز في الدنيا إلا ها اللي بيدك؟ طلبة: لا.الشيخ: أو على سبيل التمثيل يفهم، ولهذا لو ذهب إلى بقالة ووجد لفة خبز، قال: كم يجيب الخبز؟ صح ولَّا لا؟ فهذا التعيين ليس معناه أنه يراد أن يفسر اللفظ بهذا المعنى على وجه المطابقة لا يزيد ولا ينقص، لكنه على سبيل التمثيل، ماذا عن هذا الأعجمي لو وجد خبز تميز بدل بُرٍّ، أيش؟ يفهم أنه خبز ولَّا لا؟طلبة: لا، لا يفهم.الشيخ: لا يفهم، والله الظاهر يفهم.طالب: لو شاف الناس يأكلونه يفهم أنه خبز، لو شافه يطلِّعوه من الفرن.الشيخ: يمكن، إي من الفرن يمكن. الطالب: لكن لو لاقاه كده ما يطلع من الفرن..الشيخ: هذا إذن تفصيل معناه.***
الطالب: مثال ذلك ما نقل في قوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر: ٣٢] فمعلوم أن ..الشيخ: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا) كيف وصف الكتاب باسم موصول للذكور للعقلاء الْكِتَابَ الَّذِينَ.طالب: نصب (كتاب).الشيخ: ويش؟الطالب: مفعول به.الشيخ: مفعول به ليش؟الطالب: لـ أَوْرَثْنَا.الشيخ: طيب، والكتاب.الطالب: مفعول ثانٍ. الشيخ: الْكِتَابَمفعول ثان، والَّذِينَمفعول أول، أيش تقولون؟ هو صحيح أنه مفعول، لكن بالعكس، الْكِتَابَمفعول أول، والَّذِينَمفعول ثانٍ، ويصلح كما قال، لكن الأصل أن الأول هو المفعول الأول. مقدمة00:00:01
طالب: الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله
عليه وسلم تسليمًا، أما بعد.
الشيخ: هذه الخطبة
تسمى خطبة الحاجة، يخطبها الإنسان عندما يريد أن يتكلم عن حاجة يريدها، سواء كانت
زواجًا، أو أي شيء مما يحتاجه من أمور دينه ودنياه، ولهذا تسمى خطبة الحاجة، وهذه
الخطبة تقدم الكلام عليها، وننبه الآن عن فقرات فيها، وهو قوله: (من يهده الله
فلا مضل له) ما معنى قوله: (من يهده الله)؟
طالب: من يُقَدِّر له أسباب الهداية.
الشيخ: من يقدر له الهداية فلا أحد يستطيع..
الطالب: أن يضله.
الشيخ: أن يضله،
وكذلك لا أحد يستطيع أن يخرجه من الهداية إذا هُدِيَ هداية التوفيق.
(ومن
يضلل فلا هادي له) من يُقَدِّر له الضلالة فلا أحد يهديه، سواء كان في الضلالة
وأراد أحد أن ينتشله منها أم لا.
وقوله: (أشهد) مع أن الأفعال التي قبلها
بضمير العظمة، (إن الحمد لله نستعينه ونستغفره)، قالوا: لأن الإفراد يناسب
التوحيد.
(وأشهد أن لا إله إلا الله)، هذا توحيد لله عز وجل، فصار الأنسب
أن يوحَّد لفظ الفعل (أشهد) ولا يُؤْتَى بالنون الدالة على العظمة، أو على
المتكلم ومعه غيره.
***
الطالب: أما بعد، فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل، فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة.| ......................... | أَلْفَــــــى قَـــــــوْلَهَـــــــا كَــــذِبًا وَمَـــيْــــنَـــــا |
***
الطالب: والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل؛ فإن الكتب المصنفة.***
الطالب: فإن الكتب المصنَّفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح، والحق المبين، والعلم إما نقل مصدَّق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى ذلك.***
الطالب: وما سوى ذلك فإما مزيَّف مردود، وإما موقوف لا يُعْلَم أنه بهرج ولا منقود، وحاجة الأمة..***
الطالب: وحاجة الأمة ماسَّة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثيرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.***
الطالب: ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِيَ صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.***
الطالب: قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: ١٢٣-١٢٦].***
الطالب: وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥-١٦]، وقال تعالى: الر.***
الطالب: وقال تعالى: الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [ابراهيم: ١-٢].***
الطالب: وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٥٢-٥٣].***
الطالب: وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد، والله الهادي إلى سبيل الرشاد. فصل في أن النبي صلي الله عليه وسلم بيَّن.***
***
الطالب: وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يُقرِئُوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا ، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَلَّ في أعيننا ، وأقام ابن عمر.***
الطالب: وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين -قيل: ثماني سنين- ذكره مالك ، وذلك أن الله تعالى قال: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن [محمد: ٢٤]، وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْل [المؤمنون: ٦٨]، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]، وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك، وأيضًا فالعادة تمنع.***
الطالب: وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا.***
الطالب: ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.***
الطالب: ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًّا، وهو إن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر، ومن التابعين.***
الطالب: ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، أُوقِفُه عند كل آية منه وأسأله عنها ؛ ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري، وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره، والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال.***
فصل في اختلاف السلف في التفسير وأنه اختلاف تنوع
الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان.***
الطالب: وذلك صنفان؛ أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير..***
الطالب: أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير واضحة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًّا لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم.***
الطالب: كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهنَّد، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد.***
الطالب: فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًّا لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الاسراء: ١١٠]، وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة. ومن أنكر دلالة أسمائه على..***
الطالب: ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال: هو حي ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين، فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسمًا هو علَم محض، كالمُضْمَرات، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات، فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر.***
الطالب: موافقًا لغلاة الباطنية في ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك.***
الطالب: وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم، وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم.***
الطالب: وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مثل: محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب، وكذلك أسماء القرآن مثل: القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب، وأمثال ذلك.***
الطالب: وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به، فلا بد من قَدْر زائد على تعيين المسمى، مثل أن يسأل عن: القدوس، السلام، المؤمن، وقد علم أنه الله، لكن مراده.***
الطالب: وقد علم أنه الله، لكن مراده ما معنى كونه قدوسًا سلامًا مؤمنًا، ونحو ذلك إذا عرف هذا، فالسلف كثيرًا ما يعبِّرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد هو الحاشر، والماحي، والعاقب، والقدوس هو الغفور الرحيم، أي: إن المسمى واحد، لا أن هذه الصفة هي هذه، ومعلوم أن هذا ليس اختلافًا.***
الطالب: ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس، مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو القرآن أي اتباعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: «هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ» ، وقال بعضهم: هو الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سِمعان الذي رواه الترمذي وغيره: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ، قَالَ: فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللهِ، وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» .***
الطالب: الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فأُرِيَ رغيفًا، وقيل له: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده، مثال ذلك..***
الطالب: مثال ذلك ما نقل في قوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر: ٣٢] فمعلوم أن ..